محمد بن الطيب الباقلاني

209

إعجاز القرآن

بعض ذلك - ما يخلف الابداع في أفراد الكلمات ، وإن كانت الجملة والمعظم على ما سبق الوصف فيه . وإذا عرف ما يجرى إليه الكلام ، وينهى إليه الخطاب ، ويقف عليه الأسلوب ، ويختص به القبيل - بان عند أهل الصنعة تميز بابه ، وانفراد سبيله ، ولم يشك البليغ في انتمائه إلى الجهة التي ينتمي إليها ، ولم يرتب الأديب البارع في انتسابه إلى ما عرف من نهجه . وهذا كما يعرف طريقة مترسل في رسالته ، فهو لا يخفى عليه بناء قاعدته وأساسه ، فكأنه يرى ( 1 ) أنه يعد عليه مجاري حركاته وأنفاسه . / وكذلك في الشعر ( 2 ) واختلاف ضروبه ، يعرف المتحقق به طبع كل أحد ، وسبيل كل شاعر . وفى " نظم القرآن " أبواب كثيرة لم نستوفها ، وتقصيها يطول ، وعجائبها لا تنقضي ، فمنها الكلام [ المغلق ] ( 3 ) والإشارات . وإذا بلغ الكلام من هذا القبيل مبلغا ربما زاد الافهام به على الايضاح ، أو ساوى مواقع التفسير والشرح ، مع استيفائه شرطه - كان النهاية في في معناه . وذلك كقوله : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ، لنريه من آياتنا ، إنه هو السميع البصير ) ( 4 ) . فصول هذه الآية وكلماتها على ما شرحنا من قبل ( 5 ) البلاغة واللطف في التقدم ، وفى تضمن هذا الامر العظيم ، والمقام الكريم . ويتلو هذه قوله : ( وآتينا موسى الكتاب ، وجعلناه هدى لبني إسرائيل ) ( 6 ) هذا خروج لو كان في غير هذا الكلام لتصور في / صورة المنقطع ، وقد تمثل في هذا النظم لبراعته وعجيب أمره وموقع ما لا ينفك منه القول ( 7 ) .

--> ( 1 ) م : " يراه " ( 2 ) م : " في الشعر مع اختلاف " ( 3 ) الزيادة من م ومكانها بياض في ك ( 4 ) سورة الإسراء : 1 ( 5 ) م : " من قبيل " ( 6 ) سورة الإسراء : 2 ( 7 ) م : " وموقع لا ينفك " . إعجاز القرآن